ابن تيمية
9
مجموعة الرسائل والمسائل
بما أمر الله به ، كما أن حظ العبد عموماً وخصوصاً من الأول العلم بالكونيات والتأثير فيها . أي بموجبها . فالأولى قدرية كونية ، والثانية شرعية دينية ، وكشف الأولى العلم بالحوادث الكونية ، وكشف الثانية العلم بالمأمورات الشرعية ، وقدرة الأولى التأثير في الكونيات ، وقدرة الثانية التأثير في الشرعيات ، وكما أن الأولى تنقسم إلى تأثير في نفسه ، كمشيه على الماء وطيرانه في الهواء ، وجلوسه على الناس ، وإلى تأثير في غيره بإسقام وإصحاح ، وإهلاك وإغناء وإفقار ، فكذلك الثانية تنقسم إلى تأثير في نفسه بطاعته لله ورسوله . والتمسك بكتاب الله وسنة رسوله باطناً وظاهراً ، وإلى تأثير في غيره بأن يأمر بطاعة الله ورسوله فيطاع في ذلك طاعة شرعية ، بحيث تقبل النفوس ما يأمرها به من طاعة الله ورسوله في الكلمات الدينيات . كما قبلت من الأول ما أراد تكوينه فيها بالكلمات الكونيات . وإذا تقرر ذلك فاعلم أن عدم الخوارق علماً وقدرة لا تضر المسلم في دينه ، فمن لم ينكشف له شيء من المغيبات ، ولم يسخر له شيء من الكونيات ، لا ينقصه ذلك في مرتبته عند الله . بل قد يكون عدم ذلك أنفع له في دينه إذا لم يكن وجود ذلك في حقه مأموراً به أمر إيجاب ولا استحباب ، وأما عدم الدين والعمل به فيصير الإنسان ناقصاً مذموماً إما أن يجعله مستحقاً للعقاب ، وإما أن يجعله محروماً من الثواب ، وذلك لأن العلم بالدين وتعليمه والأمر به ينال به العبد رضوان الله وحده وصلاته وثوابه ، وأما العلم بالكون والتأثير فيه فلا ينال به ذلك إلا إذا كان داخلاً في الدين ، بل قد يجب عليه شكره ، وقد يناله به إثم . إذا عرف هذا فالأقسام ثلاثة : إما أن يتعلق بالعلم والقدرة بالدين فقط ، أو بالكون فقط . فالأول كما قال لنبيه صلى الله عليه وسلم ( وقل رب ادخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق واجعل لي من لدنك سلطاناً نصيراً ) فإن السلطان النصير يجمع الحجة